أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
11
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
استعجالهم بالخير تعجيل لهم . قال الشيخ : ومدلول « عجّل » غير مدلول « استعجل » ، لأنّ « عجّل » يدل على الوقوع ، و « استعجل » يدل على طلب التعجيل ، وذلك واقع من اللّه ، وهذا مضاف إليهم فلا يكون التقدير على ما قاله الزمخشري ، فيحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون التقدير : تعجيلا مثل استعجالهم بالخير فشبه التعجيل بالاستعجال لأنّ طلبهم للخير ووقوع تعجيله مقدّم عندهم على كل شيء . والثاني : أن يكون ثم محذوف يدل عليه المصدر تقديره : ولو يعجل اللّه للناس الشر إذا استعجلوا به استعجالهم بالخير ، لأنهم كانوا يستعجلون بالشرّ ، ووقوعه على سبيل التهكم كما كانوا يستعجلون بالخير . الثالث : أنه منصوب على إسقاط كاف التشبيه والتقدير : كاستعجالهم ، قال أبو البقاء : « وهو بعيد » ، إذ لو جاز ذلك لجاز « زيد غلام عمرو » ، أي : كغلام عمرو ، وبهذا ضعّفه جماعة ، وليس بتضعيف صحيح ، إذ ليس في المثال الذي ذكر فعل يتعدى بنفسه عند حذف الجار ، وفي الآية فعل يصحّ فيه ذلك ، وهو قوله « يُعَجِّلُ » ، وقال مكي : ويلزم من جوّز حذف حرف الجر منه أن يجيز : « زيد الأسد » أي : « كالأسد » قلت : قوله : ويلزم إلى آخره لا ردّ فيه على هذا القائل ، إذ يلزمه وهو التزام صحيح سائغ ، إذ لا ينكر أحد « زيد الأسد » على معنى : كالأسد ، وعلى تقدير التسليم فالفرق ما ذكره أبو البقاء ، أي : أنّ الفعل يطلب مصدرا مشبها فصار مدلولا عليه ، وقال بعضهم تقديره : في استعجالهم نقله مكي فلما حذفت « في » انتصب ، وهذا لا معنى له . قوله : « لَقُضِيَ » قرأ ابن عامر « لقضى » بفتح الفاء والعين مبنيا للفاعل وهو اللّه تعالى ، « أجلهم » نصبا مفعولا به ، والباقون « لَقُضِيَ » بالضم والكسر مبنيا للمفعول « أَجَلُهُمْ » رفعا ، لقيامه مقام الفاعل ، وقرأ الأعمش « لقضينا » ، مسندا لضمير المعظم نفسه وهي مؤيدة لقراءة ابن عامر . قوله : « فَنَذَرُ » فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه معطوف على قوله : « وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ » على معنى أنه في قوة النفي ، وقد تقدم تدقيق ذلك في سؤال الزمخشري وجوابه فيه ، إلّا أنّ أبا البقاء رد عطفه على « يُعَجِّلُ » فقال : « ولا يجوز أن يكون معطوفا على « يُعَجِّلُ » ، إذ لو كان كذلك لدخل في الامتناع الذي تقتضيه « لَوْ » وليس كذلك ، لأن التعجيل لم يقع وتركهم في طغيانهم وقع . قلت : إنما يتم هذا الرد لو كان معطوفا على « يُعَجِّلُ » فقط باقيا على معناه ، وقد تقدم أنّ الكلام صار في قوة لا يعجل لهم الشر فنذرهم فيكون فنذرهم معطوفا على جملة النفي لا على الفعل الممتنع وحده ، حتى يلزم ما قال . والثاني : أنه معطوف على جملة مقدرة ، ولكن فمهلهم فنذر قاله أبو البقاء . والثالث : أن يكون جملة مستأنفة أي : فنحن نذر الذين قاله الحوفي . [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 12 إلى 13 ] وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 12 ) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ( 13 )